عمر بن مسعود بن ساعد المنذري

28

كشف الأسرار المخفية في علم الأجرام السماوية والرقوم الحرفية

هذه الصور ومن حيوانات هذا العالم الأسفل وذلك إنما لأن مادتها مخالفة لمواد هذه السفليّات . فتلك الأشكال والصور من لوازم ذواتها وهي تكون دائمة باقية ممتنعة التغيّر . واحتج أهل الفلسفة على كونها كرات بوجهين : الأول أنّا نجدها مستديرة والثاني أنها بسيطة والبسيط شكله الكرة . فأجابت الصابئة بأن المثلث والمربع إذا نظر إليه من البعد رئي على شكل الكرة فكذلك هنا . وعن الثاني أنا لا نسلم أنها بسائط فلم لا يجوز أن يكون أحد جانبيها على طبع والجانب الآخر منها على طبع آخر إلا أن هذا الجزء لذاته ولطبيعته يقتضي أن يكون ملتصقا بذلك الجزء والآخر فلا جرم لا يقبل الانحلال والانفكاك . الصفة السادسة : قالوا لما ثبت أن تلك الأجرام العالية على صور هذه الأجسام السفلية كالنفوس الفلكية التي هي العلل والآباء الحقيقة والطباع التام لهذه النفوس السفلية لا بد وأن يكون لها حسّ الإبصار وحسّ السماع ولا بد وأن تكون حواسها أقوى من حواسها بكثير كما أنه يجب كون العلة أكمل من المعلول فلا يبعد أن يقال إنها على بعدها من هذا العالم تحسّ بكل ما في هذا العالم فتسمع دعاء البشر وتبصر تضرعهم وتشم روائح دخنهم وبخوراتهم ولا يبعد أن يكون لها ولأرواحها وأعوانها أسماء مخصوصة ولا يبعد أنها تتجلى لمن يخدمها ويتضرع إليها فتوحي أسماءها وأسماء أعوانها إلى ذلك الداعي . الصفة السّابعة : اعلم أن هؤلاء الصابئة لما اعتقدوا هذه الجملة التي شرحناها بنوا على هذه القواعد دينهم ، فزعموا أن هذه الكواكب هي الآلهة القريبة لهذا العالم فلا جرم وجب على أهل العالم الأسفل أن يشتغلوا بعبادتها والتضرع إليها بالدّخن والقربان . ولما علموا أن هذه الكواكب قد تغيب عن الأبصار لا جرم اتخذوا لها تماثيل وأصناما واشتغلوا بعبادتها تعظيما لتلك الكواكب فهذا هو دين عبدة الأوثان واعلم أن هذا المذهب عندنا باطل ولا يمكنني إبطاله إلا بأخبار الأنبياء عليهم السّلام في إبطال ذلك لأن حجة النبوة متفرعة على أن المعجز فعل اللّه تعالى وإنما ثبت ذلك إذا بطل كون الكواكب مدبرة لهذا العالم فلو أبطلنا هذا المذهب بقول الأنبياء عليهم السّلام وقع الدور أنه باطل بل إنما يبطل هذا المذهب الدلالة على أن العالم محدث فيكون المؤثر فيه قادرا